سيد قطب

3298

في ظلال القرآن

كرهوا رسالته . حتى إذا هاجر إلى المدينة كرهوا هجرته ، التي هددت ما بقي لهم من مركز هناك . ومن ثم كانوا إلبا عليه منذ أول يوم ، وشنوا عليه حرب الدس والمكر والكيد ، حينما عجزوا عن مناصبته العداء جهرة في ميادين القتال ؛ وانضم إليهم كل حانق ، وكل منافق ، وظلت الحرب سجالا بينهم وبين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى أجلاهم في آخر الأمر عن الجزيرة كلها وخلصها للإسلام . وهؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم قالوا لليهود : « سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ » . . والأرجح أن ذلك كان في الدس والكيد والتآمر على الإسلام ورسول الإسلام . « وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ » . وهو تعقيب كله تهديد . فأين يذهب تآمرهم وإسرارهم وما ذا يؤثر ؛ وهو مكشوف لعلم اللّه ؟ معرض لقوة اللّه ؟ ثم التهديد السافر بجند اللّه ، والمتآمرون في نهاية الحياة : « فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ » ! وهو مشهد مفزع مهين . وهم يحتضرون . ولا حول لهم ولا قوة . وهم في نهاية حياتهم على هذه الأرض . وفي مستهل حياتهم الأخرى . هذه الحياة التي تفتتح بضرب الوجوه والأدبار . في لحظة الوفاة ، لحظة الضيق والكرب والمخافة . الأدبار التي ارتدوا عليها من بعد ما تبين لهم الهدى ! فيا لها من مأساة ! « ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ ، وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ، فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » . . فهم الذين أرادوا لأنفسهم هذا المصير واختاروه . هم الذين عمدوا إلى ما أسخط اللّه من نفاق ومعصية وتآمر مع أعداء اللّه وأعداء دينه ورسوله فاتبعوه . وهم الذين كرهوا رضوان اللّه فلم يعملوا له ، بل عملوا ما يسخط اللّه ويغضبه . . « فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » . . التي كانوا يعجبون بها ويتعاجبون ؛ ويحسبونها مهارة وبراعة وهم يتآمرون على المؤمنين ويكيدون . فإذا بهذه الأعمال تتضخم وتنتفخ . ثم تهلك وتضيع ! وفي نهاية الشوط يتهددهم بكشف أمرهم لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وللمسلمين ، الذين يعيشون بينهم متخفين ؛ يتظاهرون بالإسلام وهم لهم كائدون : « أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ؟ وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ ، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ . وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ » . . ولقد كان المنافقون يعتمدون على إتقانهم فن النفاق ، وعلى خفاء أمرهم في الغالب على المسلمين . فالقرآن يسفه ظنهم أن هذا الأمر سيظل خافيا ، ويهدّدهم بكشف حالهم وإظهار أضغانهم وأحقادهم على المسلمين . ويقول لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ » . . أي لو نشاء لكشفنا لك عنهم بذواتهم وأشخاصهم ، حتى لترى أحدهم فتعرفه من ملامحه ( وكان هذا قبل أن يكشف اللّه له عن نفر منهم بأسمائهم ) ومع ذلك فإن لهجتهم ونبرات صوتهم ، وإمالتهم للقول عن استقامته ، وانحراف منطقهم في خطابك سيدلك على نفاقهم : « وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ » . . ويعرج على علم اللّه الشامل بالأعمال وبواعثها : « وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ » . . فلا تخفى عليه منها خافية . . ثم وعد من اللّه بالابتلاء . . ابتلاء الأمة الإسلامية كلها ، لينكشف المجاهدون والصابرون ويتميزوا وتصبح